يكتب جو جيل أن العام الجديد بدأ بحرب جديدة، بعدما شنّت الولايات المتحدة ضربات عسكرية داخل فنزويلا، في خطوة تعكس رؤية قومية متشددة وإحياءً لنزعة استعمارية جديدة تقود السياسة الأميركية في عهد دونالد ترامب، وتفتح باب 2026 على عالم أكثر خطورة واضطرابًا.

 

قدم ميدل إيست آي هذا التحليل في سياق نقدي لسياسات واشنطن الخارجية، وربط بين الهجوم على فنزويلا، والحرب في غزة، والتوجهات الجديدة للأمن القومي الأميركي.

 

حرب جديدة وتغيير أنظمة بالقوة

 

بدأت الضربات الأميركية داخل فنزويلا يوم السبت، واستهدفت مواقع متعددة، بينما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته “أُلقِي القبض عليهما ونُقلا خارج البلاد”. وجاءت هذه الضربات، التي بدت عملية تغيير نظام واضحة، بعد هجمات أخرى في يوم عيد الميلاد شملت ضربات جوية في نيجيريا والصومال، إضافة إلى ضربة بطائرة مسيّرة نفذتها وكالة الاستخبارات المركزية داخل فنزويلا.

 

وفي 29 ديسمبر، وقف ترامب في منتجع مارالاجو إلى جانب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وتحدث عن انفجار كبير في منطقة موانئ تُستخدم – بحسب قوله – لتهريب المخدرات، في إشارة إلى أول ضربة برية داخل فنزويلا، سبقتها أشهر من هجمات دامية على قوارب صيد في البحر الكاريبي. وزعم ترامب أن الضحايا مهرّبو مخدرات، بينما رأى أعضاء في الكونجرس أن الوقائع تشبه جرائم حرب.

 

وشنّت واشنطن أول ضرباتها المعلنة داخل نيجيريا ضد ما وصفته بمسلحين، في حين نفذت ضربات أخرى في الصومال من دون إعلان أو تغطية إعلامية تُذكر، رغم تصاعد التدخل العسكري الأميركي هناك منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض.

 

غزة وأوكرانيا: سلام زائف وحروب مفتوحة

 

كرر ترامب، خلال ظهوره مع نتنياهو، الرواية الإسرائيلية حرفيًا، وأكد أن إسرائيل التزمت “بنسبة 100%” بشروط وقف إطلاق النار في غزة، بينما اتهم حركة حماس بانتهاكه لعدم نزع سلاحها. ويتناقض هذا الخطاب مع الوقائع على الأرض، إذ سلّمت حماس جميع الأسرى الأحياء والأموات تقريبًا منذ 13 أكتوبر وفق الاتفاق، في وقت واصلت فيه إسرائيل خرق الهدنة، وفرض حصار المساعدات، وتنفيذ غارات أوقعت أكثر من 400 قتيل فلسطيني، بالتزامن مع تسارع ضم الضفة الغربية.

 

وأظهر تقرير صادر عن الجهاز المركزي الفلسطيني للإحصاء انخفاض عدد سكان قطاع غزة بنحو 254 ألف شخص، أي ما يعادل 10.6% من السكان مقارنة بما قبل بدء الإبادة في أكتوبر 2023. ويتوافق هذا الرقم مع تقديرات ديموغرافية ألمانية أشارت إلى مقتل أكثر من 100 ألف فلسطيني خلال الهجوم الإسرائيلي المستمر منذ عامين.

 

وفي السياق نفسه، التقى ترامب مجددًا بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في محادثات فاشلة لإنهاء الحرب مع روسيا، التي واصلت قصف كييف بالطائرات المسيّرة. وردّت أوكرانيا، المعتمدة على معلومات استخباراتية أميركية، بضربة استهدفت مقهى وفندقًا في منتجع على البحر الأسود تسيطر عليه روسيا، وأسفرت عن مقتل 24 شخصًا وإصابة 50 آخرين خلال احتفالات رأس السنة.

 

عقيدة مونرو جديدة وعالم أكثر خطورة

 

يعكس الهجوم على فنزويلا، إلى جانب الضربات في أفريقيا، ملامح استراتيجية الأمن القومي الأميركي الجديدة الصادرة في نوفمبر، والتي ترسم رؤية قومية متطرفة وإحياءً لعقيدة استعمارية تعود إلى القرن العشرين، حين تعاملت واشنطن مع أميركا اللاتينية بوصفها “حديقتها الخلفية”. وتعلن الوثيقة صراحة فرض “ملحق ترامب” على مبدأ مونرو، مع استخدام القوة القاتلة لتأمين المصالح الأميركية، وتوسيع الوجود العسكري في مواقع استراتيجية.

 

وتكشف الاستراتيجية أيضًا تراجع مكانة أوروبا الغربية من حليف تاريخي إلى منطقة إشكالية، مع نية أميركية لدعم قوى “وطنية” مناهضة للهجرة داخل القارة، وتبنّي خطاب “الاستبدال العظيم” بشكل صريح. وفي أميركا اللاتينية، عززت واشنطن دعمها لمرشحين من اليمين المتطرف في عدة دول، بينما بقيت البرازيل والمكسيك تحت قيادة حكومات يسارية ديمقراطية.

 

ويرى الكاتب أن الخلل الجوهري في هذه العقيدة يكمن في العلاقة العضوية بين الولايات المتحدة وإسرائيل. وينقل عن الصحفي الاستقصائي جيريمي سكيل أن الفصل بين الطرفين خطأ فادح، لأن واشنطن باتت مرتبطة بإسرائيل سياسيًا ومؤسساتيًا، رغم سجلها الحافل بانتهاك الهدن وارتكاب الجرائم. ويضيف أن إدارة ترامب، مثل إدارة بايدن قبلها، تواصل تغطية التوسع الاستعماري الإسرائيلي في غزة والضفة ولبنان وسوريا، ما يجرّ الولايات المتحدة حتمًا إلى صراعات جديدة.

 

ويحذّر المقال من أن تعميم منطق القوة والسيادة المطلقة يشجع قوى أخرى على تبني النهج نفسه، من إعادة تسليح أوروبا، إلى صراعات النفوذ في البحر الأحمر واليمن. ومع أول ضربة أميركية في فنزويلا، يبدو أن عالم 2026 يدخل مرحلة أشد اضطرابًا، حيث يغيب التعدد الدولي، ويحل منطق الحرب الدائمة محل أي حديث عن السلام.

https://www.middleeasteye.net/opinion/us-air-strikes-venezuela-trump-peace-means-war-2026